• عثمان ميرغني
جائحة الجوع بعد جائحة الفيروس
الخميس 23 ابريل 2020 الساعة 23:27
عثمان ميرغني
العالم يقف على شفا «جائحة جوع»، وهناك خطر حقيقي أن عدد الناس الذين يمكن أن يموتوا من الآثار الاقتصادية لجائحة «كوفيد - 19» سيفوق عدد من يموتون بالفيروس مباشرة.
هذه التحذيرات الصاعقة وردت على لسان المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي في إفادته التي قدّمها لمجلس الأمن الدولي، أول من أمس، وتحدث فيها عن التأثيرات المتوقعة لجائحة «كورونا» وزيادة عدد الجوعى الذين يحتاجون مساعدات، واحتمال أن يشهد العالم مجاعات متعددة خلال أشهر إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة لتدارك الوضع.
ديفيد بيزلي، الذي قدّم إفادته عبر الفيديو، أبلغ مجلس الأمن أنه قبل جائحة فيروس «كورونا المستجد» كان يحذر من أن العام 2020 سيشهد أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، «وذلك بسبب الحروب في سوريا واليمن وأماكن أخرى، وأسراب الجراد في أفريقيا، والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية، بما في ذلك في لبنان والكونغو والسودان وإثيوبيا»، على حد تعبيره. لكن بعد «كورونا» وتأثيراته أصبح الوضع أخطر.
في العام الماضي، سجلت المنظمات الدولية المعنية أن هناك نحو 821 مليون إنسان حول العالم يعانون من الجوع المزمن، منهم 256 مليوناً في أفريقيا، و514 مليوناً في آسيا، و43 مليوناً في أميركا اللاتينية، والبقية في أماكن أخرى. ونتيجة لجائحة «كورونا» فإن 130 مليون إنسان يمكن أن ينضموا إلى قائمة من يقفون على شفا الجوع بنهاية العام الحالي، والأعداد مرشحة للزيادة إذا لم تتخذ خطوات لتدارك الآثار السالبة للجائحة التي انعكست على مختلف عمليات الإنتاج الصناعي والزراعي، وأثّرت على سلاسل الإمداد. وفي أسوأ السيناريوهات المحتملة يمكن أن يشهد العالم مجاعات في أكثر من 30 بلداً، حسب تحذير المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي، وستكون من بينها حتماً دول عربية.
المجاعات قد تهدد الدول الأكثر فقراً وتلك التي تعاني من حروب أو أزمات اقتصادية حادة، لكن تأثيرات الجائحة ستنعكس أيضاً على الدول الغنية التي تواجه أضراراً اقتصادية غير مسبوقة، وزيادة مخيفة في أرقام العاطلين عن العمل نتيجة سياسات الإغلاق وتوقف عجلة الإنتاج في كثير من القطاعات. ففي أميركا مثلاً، بلغ عدد من فقدوا وظائفهم 22 مليوناً، ما يعني أن عدداً كبيراً من هؤلاء سينضمون إلى نحو 41 مليون أميركي يعيشون على المساعدات الغذائية والوجبات المجانية من الجمعيات الخيرية وبنوك الطعام. ونقل كثير من الشبكات التلفزيونية مناظر الطوابير الطويلة التي امتدت أحياناً أكثر من ميل للواقفين في انتظار الحصول على مساعدة غذائية من الجهات الخيرية، بل إن صحيفة «واشنطن بوست» نشرت مقالاً في صفحة الرأي في بداية أبريل (نيسان) الحالي معنوناً «التهديد القادم... الجوع في أميركا».
وإذا أخذنا بريطانيا نموذجاً آخر للأزمة فإن عدد من يعانون الجوع بسبب الإغلاق والعزل وارتفاع البطالة في ظل جائحة «كورونا» بلغ 3 ملايين شخص حسب الدراسات، وهو رقم مرشح للزيادة، لأن التقديرات تشير إلى أن 6 ملايين قد يفقدون أعمالهم في الظروف الراهنة. وظهرت الانعكاسات بوضوح على بنوك الطعام والجمعيات الخيرية التي شهدت ارتفاعاً بنسبة 300 في المائة في عدد المحتاجين لمساعدات غذائية، وإلا جاعوا. والوضع لن يكون أحسن، إن لم يكن أسوأ، في دول كثيرة أخرى ضربها الفيروس بلا رحمة في أعداد الضحايا، وفي اقتصاداتها، وفي أعداد من فقدوا مصادر دخلهم، وصاروا يواجهون الفقر وخطر الجوع.
وكان قادة 3 منظمات دولية، هي منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة التجارة العالمية، قد حذروا في رسالة مشتركة قبل 3 أسابيع من أن العالم قد يواجه أزمة في الغذاء بسبب الجائحة إذا لم تتخذ الحكومات خطوات لتدارك الأمر. وأشاروا إلى أنه بسبب إغلاق الحدود ووقف الإنتاج والعمل والتزام الناس بيوتهم في ظل الإجراءات المتخذة لمواجهة الفيروس القاتل، تأثرت سلاسل الإمداد، ما يعرض العالم لأزمة غذاء محتملة، إذا لم تتخذ الحكومات إجراءات لتدارك الأمر. ودعوا دول العالم إلى بذل أقصى الجهود لضمان انسياب التجارة الدولية وحركة البضائع والمنتجات، لتفادي حدوث أزمة غذاء.
مع هذه الصورة المضطربة، هناك توقعات بأن تؤدي الجائحة إلى نقص في بعض المحاصيل الزراعية هذا العام، لأن سياسات الإغلاق والقيود المفروضة أثرت على الإنتاج الزراعي وحركة المنتجات. فهناك مزارعون اضطروا إلى تدمير إنتاجهم أو توزيعه مجاناً، إما لتعذر الشحن وعمليات النقل، وإما بسبب توقف المصانع والمطاعم والمحلات التي كانت تشتري إنتاجهم. كما أن نقص الأسمدة والأدوية البيطرية يمكن أن يؤثر على العمليات الزراعية، علماً بأن صغار المزارعين يواجهون مشكلات مالية أصلاً، وقد يعجزون عن شراء احتياجاتهم للموسم المقبل في ظل أزمة «كورونا» وتبعاتها.
وبسبب ضغوط الطلب الداخلي والمخاوف من تبعات الأزمات الاقتصادية في عالم ما بعد «كوفيد - 19»، فإن الدول المنتجة ستعطي أولوية لأسواقها المحلية ولتخزين كميات من إنتاجها تغطي احتياجات سكانها للفترة المقبلة، مع تصاعد الطلب أمام لجوء الناس لتخزين الأغذية. فعلى سبيل المثال، شهدت أسعار الأرز ارتفاعاً في الأسواق الدولية بعدما قررت فيتنام (ثالث أكبر المصدرين) وقف تصديره، بينما حظرت الهند (أكبر دولة مصدرة) تصديره، ما عدا البسمتي الذي رفعت أسعاره، وذلك في إطار تدابير لمواجهة الطلب المحلي المتزايد وكبح جماح زيادة الأسعار محلياً.
وفي ظل المخاوف من أن تضع عمليات الإغلاق الحدودية، والحجْر الصحي، والخلل في الأسواق وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، الأمن الغذائي العالمي في خطر، عمدت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى محاولة تطمين الناس بقولها إنه يوجد من الغذاء ما يكفي الجميع. لكن المنظمة لم تجد مناصاً من إرفاق هذا الكلام بتحذير «من المخاطرة بحدوث أزمة عالمية تلوح في الأفق ما لم يتم اتخاذ تدابير سريعة لحماية أكثر الفئات ضعفاً، والحفاظ على سلاسل الإمداد الغذائي العالمي على قيد الحياة». وترى «الفاو» أنه في أي سيناريو سيكون الأكثر تضرراً هم الفئات الأكثر فقراً وضعفاً، والمهاجرون والمشردون، والبلدان التي تشهد نزاعات مسلحة، وهو ما يعيدنا إلى تحذيرات المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي في بداية هذا المقال.
تأثيرات جائحة «كورونا» ستكون أكبر من أي شيء عرفه العالم منذ زمن طويل، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنكفئ الدول على نفسها، وتلجأ لإجراءات حمائية متشددة، وتقلص التزاماتها للمنظمات الدولية. فالمطلوب مزيد من التنسيق والتعاون والإجراءات الجماعية لمواجهة التداعيات، وللخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية المتوقعة، ومساعدة الدول الأكثر فقراً، ولتطوير أمصال لمواجهة مخاطر الفيروسات المتزايدة، وللتفكير جدياً في الضرر الذي ألحقناه بالبيئة، وندفع اليوم ثمنه الباهظ بأشكال مختلفة.
أمس، كانت الذكرى الخمسون ليوم الأرض، الذي ينظر فيه الناس إلى مشكلات كوكبنا هذا، ويظهرون دعمهم لحماية البيئة، وقد حلت هذه الذكرى في الوقت الذي تتعرض فيه صحة الإنسان والأرض لامتحان عسير، وجائحة «كورونا» تذكرنا بأهمية التنبه للأمرين. ومثلما قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في كلمته بالمناسبة فإن «كوفيد - 19» رسالة للعالم لكي يستيقظ.
 
عن الشرق الاوسط..
إضافة تعليق
الأسم*
الموضوع*
نص التعليق*