• د. أحمد باحارثة
حضرموت.. هوية ممتدة وثقافة منفتحة
الثلاثاء 28 مايو 2019 الساعة 22:49
د. أحمد باحارثة

أهم رابطة تجمع أفراد مجتمع في إقليم أو دولة ما هو خلق هوية موحدة تكون معبرة عن تاريخهم وثقافتهم، وهناك اعتبارات ومقومات تؤهل حضرموت لتكون هي المرجعية لتشكيل تلك الهوية التاريخية والثقافية لتوجيه مسار هذه المساحة السياسية التي تعرف بالجنوب سواء بصفته العربية أو اليمنية، ومن ثم التأسيس لإقليم أو دولة واضحة في معالمها، راسخة في هويتها، متوازنة في سياستها ونظام حكمها. ولقد عرف جيل الرواد لحضرموت هذه المكانة بينها جوارها، فقال المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف: "إذا قدر لحضرموت أن تنضم إلى اتحاد مع بقية أجزاء الجنوب العربي، فعليها أن تجعل من نفسها مركز الثقل في تدعيم الحرية والديمقراطية والوحدة" (صحيفة الرائد ع133). إن إطلاق لفظة الجنوب كتسمية لتلك المنطقة لم يكن محبذًا في رأي كثيرين من السياسيين؛ لأنها تسمية غير دقيقة، لا هي مستقرة في هويتها، ولا في دلالتها المكانية، فقد تنقلت من الصفة العربية باعتبار الجهة الجنوبية لجزيرة العرب ككل، إلى الجهة الجنوبية لبلاد اليمن، وحضور تلك التسمية التاريخي غير عميق زمنيًا بوصفه اسمًا وعنوانًا لهذه المنطقة، بل جرى التخلي عنها فعليًا في الثلاثين من نوفمبر سنة 1967، حيث أعلنت دولة بهوية مغايرة هي الهوية اليمنية بوسمها الجنوبي مع أن امتدادها الأوفر هو في الشرق، لهذا فإن المؤرخ سعيد عوض باوزير كتب في مقالة له نشرتها صحيفة الطليعة عشية الاستقلال والإعلان الرسمي للدولة الوليدة (جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية): "إن هناك نوعًا من التجاوز والتجوز وعدم الدقة في تسمية المنطقة ككل بالجنوب اليمني، أو اليمن الجنوبية، فنحن في حضرموت مثلاً نقع جغرافيًا في شرق اليمن". (كلمة التاريخ في يمنية المنطقة، سعيد عوض باوزير، الطليعة ع،401، 29/11/1967). لقد عملت هذه الدولة (اليمنية الجنوبية) على طمس حضور حضرموت وإلغاء شخصيتها، والتنكر لتراثها الثقافي والحضاري تحت دعوى غرس وتجذير الهوية اليمنية الجديدة العامة، "فقد سيطرت على حكومات ما بعد الاستقلال رؤية ضعف انتماء حضرموت إلى النسيج اليمني العام و"تولد عندها شعور نفسي أن الحضارم منعزلون عن سائر المحافظات". (تاريخ الجزيرة العربية الحديث والمعاصر، د. محمد حسن العيدروس، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1996، 475)، وكان أول الآثار السيئة لتلك التحولات أن من تولوا أمرها "لم يحافظوا على الثقل السياسي الذي استحقته حضرموت وحظيت به في أول حكومة بعد الاستقلال، وكان الترهيب بالمنطقة يلاحق جميع الساسة". (عابر سبيل، د. عبد الله سعيد الجعيدي، مكتب الثقافة، حضرموت، 2014، 45). لكن اسم حضرموت الذي يقال أنه كان ضمن مقترحات التسمية لدولة الاستقلال (جمهورية حضرموت الديمقراطية الشعبية). هو الأولى بتثبيته في هذه المرحلة الجديدة (كتسمية وهوية) لاحتوائه على مقومات متنوعة تشمل: تمدد الاسم جغرافيًا واجتماعيًا: فالاسم يشمل جغرافيًا معظم أجزاء المنطقة على اختلاف في تحديدها بين مؤرخيها، ففي تاريخه الشامل يرى علوي بن طاهر الحداد أن حضرموت تقع ما بين ظفار شرقًا وعدن غربًا، والربع الخالي شمالا والمحيط الهندي جنوبًا. (الشامل، طبعة سنغافورة، ص33)، ومن جانبه يرى المؤرخ محمد بن أحمد الشاطري أنها تشمل بلاد المهرة وظفار ويافع والعوالق والعواذل وبيحان والضالع. (أدوار التاريخ الحضرمي ص14). وذلك الاتساع الدلالي لجغرافية حضرموت كاف لتسويغ إطلاق اسمها على كل المنطقة الجنوبية لأنه لا يلزم شمول التسمية واستغراقها لكل أجزاء الإقليم أو البلد المتحد، والتي قد يحمل بعضها اسمًا محصورًا في مدينة واحدة هو عاصمتها كالجزائر وتونس مثلا. وقد كان الامتداد حاضرًا في كتابات الرواد سواء منها كتبهم التاريخية ككتاب إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت، لابن عبيد الله السقاف أو الأدبية ككتاب تاريخ الشعراء الحضرميين، لابن حامد السقاف؛ إذ تضمن تراجم ومختارات لشعراء من المهرة ومناطق من شبوة. الأصالة التاريخية: ونعني بها أصالة الحضور التاريخي وعمقه الزماني في التاريخ الموغل في القدم متمثلا في الكتابات العربية الجنوبية، وفي الكتابات الكلاسية لأمم اليونان والرومان، بل ولها ذكر في بعض النصوص السماوية، باسمها حضرموت كما في توراة موسى عليه السلام، أو باسم الأحقاف كما في سورة الأحقاف في القرآن الكريم، فضلا عن ذكره على لسان كثير من الشعراء الجاهلين، ومن أبرزهم الشاعر الأعشى حيث يقول: وقد طفـــت للمــال آفاقــــــه عمان فحمص فأوريشـــــلم فنجران فالســــرو من حمير فأي مـــــــــرام له لم أرم ومن بعد ذاك إلى حضرموت فأوفيت همــــي وحينًا أهم وهو حضور مفعم بالأحداث والشخصيات والتحولات السياسية، والعلاقات الخارجية بين حضرموت ومحيطها في العالم القديم؛ سواء عبر الطرق التجارية كطريق البخور واللبان، أو السفارات السياسية، كرحلة الملك الضليل امرئ القيس الكندي إلى بيزنطة. الامتداد الخارجي: تمتلك حضرموت في الخارج جالية ضحمة حية ومؤثرة، ومفتخرة بانتمائها الحضرمي، ولها تأثيرها التجاري والثقافي، ومشاركاتها السياسية، سواء أكان ذلك في شرق أفريقيا وجنوبها، أو في وجنوب القارة الآسيوية، وبلاد الهند، هذا غير تواجدهم الحي والفاعل في بعض البلاد العربية ولاسيما في مصر وبلدان المغرب العربي، وهو امتداد تناولته كل القنوات الإقليمية والدولية؛ سواء في أفلام وثائقية، أو ندوات ثقافية، أو مؤلفات لكتاب عرب وأجانب، ترجم العديد منها، ومن بينها كتاب الحضارم في الأرخبيل الهندي وكتاب الشتات الحضرمي، فضلا عن ما نوقش حولها من رسائل ماجستير ودكتوراه. الحضور الشامل داخليا: وهو حضور واسع يشمل اتجاهين أساسيين؛ ثقافيًا، وسكانيا، فمن الناحية السكانية لا توجد محافظة جنوبية تخلو من تجمعات وكتل سكانية حضرمية، سواء في صورة مقيمين مستقرين بها، أو في عودة كثير من عوائلها القاطنة إلى أصول حضرمية متفاوتة القدم، وهو وجود سكاني مؤثر إيجابيًا، وفاعل في أكثر من مجال، وحاضر ملموس في الحياة العامة، فمن الحظوة الروحية الدينية، إلى المشاركة السياسية والإدارية، إلى الحضور التجاري والاقتصادي، إلى التأثير الاجتماعي والثقافي، إلى غير ذلك. أما المجال الثقافي فالثقافة القيمية الحضرمية هي السائدة في تلك النواحي، بل هي الحاضر الأكبر في العلوم الدينية والتاريخية، إلى الفنون الأدبية والغنائية، إلى بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، حتى قال المستشرق سارجنت أن علماء عدن كلهم حضارم. (الفكر العدد الثالث 1963)، ولا يقتصر الأمر على العلماء بل يمتد إلى وفرة من المثقفين والمبدعين. والشواهد أكثر من أن تذكر وتحصى فمن مسجد العيدروس، إلى ضريح الشاطري، إلى مدرسة بازرعة، إلى رابطة الجفري، إلى واقعية باذيب، إلى صحف بافقيه وباشراحيل والحامد وبركات، إلى غنائيات باشراحيل والمسلمي وبلفقيه، إلى تأثير أدباء حضرموت الوافدين في أندية عدن، حتى قال علي محمد لقمان نجل رئيس صحيفة فتاة الجزيرة: "كان يفد الشاعر صالح الحامد وعلي باكثير والسيد عبد الرحمن بن عبيد الله والسيد عبدالله أحمد بن يحيى وغيرهم من الشعراء، فتولدت نزعة إلى الشعر بين بعض الأعضاء". (الحياة الأدبية في عدن، علي محمد لقمان، فتاة الجزيرة ع 108، عدن، 15/2/1942 م، 2). كل ما ذكرناه يدل دلالة ضافية على أن هوية حضرموت وثقافتها يشكلان حضنًا يسع كل الخارطة المجاورة لها يكلله حضورها في المهاجر التي عبر الحضرمي البحر إليها بشخصه مبقيًا فيها روحه فعاش حيثما حل من الوطن والمهجر محتفظًا بميراث أسلافه علمًا وقيمًا وهوية دون أن ينسى حظه من التأثر بكل ما هو جميل وإيجابي حيثما أقام دون أن يفلت الزمام.

إضافة تعليق
الأسم*
الموضوع*
نص التعليق*